الشيخ محمد الصادقي الطهراني

123

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

يعبر عنه بالمفتح : مكان الفتح وطريقه ، ولكن هذا المعنى هو ضمن المعنى من « مفاتح الغيب » حيث يتطلب « مفاتح الغيب » جمع المفتح ، والمفتح بمجرده هو الخزينة . ذلك ، وحتى الآيات الرسولية ليست مما يعلمهم إياها ف « إنما الآيات عند اللَّه » اللهم إلَّا التي هي رسالية مع كونها رسولية كالقرآن العظيم حيث علمه رسوله الكريم ، علم الوحي مادة وصيغة ، دون علمه صياغة . ثم من الغيب ما هو كائن غيبه ككل الكائنات ، وما هو مكوَّن مستقبلًا أو كان ماضياً ثم فنى ، وهذه الزوايا الثلاث لمثلث الغيب مختصة باللَّه إلَّاما ليس من الغيب المطلبق . وفي رجعة أخرى إلي الآية نقول : « وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلَّاهو » قضية عقلية محلِّقة على كافة العلوم الغيبية ، شاملة للمحسوس وسواه ، ولكي يقرب ذلك المعقول إلي عقول أهل الحس ثنّاه ب « ويعلم ما في البر والبحر » حيث تشمل كافة المعلومات غيبية وسواها ، فهنا إضافة إلي تبيين مدى علمه تعالي بالغيب في سعته إضافةٌ للمشهود إليه وبأحرى . ثم قرَّب مرَّة أخرى بصورة مستغرقة لعلمه بالغيب والشهادة « وما تسقط . . . » ثم عممه رابعة جمعاً بين الضابطة العقلية الأولي والمثالين بعدهما للحيطة العلمية الربانية : « ولا يابس إلَّا في كتاب مبين » . ويا لها من جولة تدير الرؤوس وتذهل العقول ، جولة في آماد الزمان وآفاق المكان ، وأغوار من السر والعلن والمعلوم والمجهول ، جولة موغلة مترامية الأطراف تشمل فعلية الكون وإمكانيته ، وكما تعني - في الأصل - ذات اللَّه وصفاته وأفعاله المعلومة - فقط - لديه . والإنسان - أو أيّاً كان من الخليقة العاقلة العالمة - ليسبح في بحر من المجهول فلا تقف إلَّا على جُزُر طافية يتخذ منها معالهم في الخِضمّ ف « ما أوتيتم من العلم إلَّاقليلًا » ! . والغيب في الكون كله يحيط بالانسان كله ، غيب في مثلث الزمان والمكان ، وغيب في نفسه وفي كيانه ، غيب في النشأة الأؤلي والأخرى والعوان بينهما ، وغيب في كل شيء مهما يشهد ظاهراً من الكون قليلًا ضئيلًا لولا فضل اللَّه ورحمته لحرم منه أيضاً .